بقلم/ هبة صلاح
من أعظم النِعم التي يمٌن بها الخالق على عباده هي نعمة “الحياة”؛ وبالحياة نعني نعمة الإيجاد من عدم، ثم تسخير الكون من أجل الإنسان الذي خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وفضّله على سائر المخلوقات “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” ليضمن له عيشة كريمة، قال عنها العلماء أن الله خَلَق للإنسان قبل أن يُخلق؛ غير أن مفهوم “الحياة” الواسع قد ضيقه بعضنا حتى أودى بحياة الآخرين ممن جمعنا بهم القدر في يوم من الأيام قال عنها الله “وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ“!
ولمن لا يعلم، فإن الله شرع الزواج لعمارة الكون، وجعل معيار “السكن” هو الهدف الأسمى لمن أحسن الاختيار من الطرفين “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، فالأساس الذي تُبنى عليه العلاقات والأسرة هو “المودة والرحمة” التي تفضي إلى “الحب”، والفرق بين اللفظتين “الحب والحرب” هو حرف واحد، إذا لم يفهم طرفي العلاقة الهدف الأساسي من ارتباطهما!
فالزواج اختيار، وهو سُنة الحياة لمن يقدر على تحمل المسؤولية، فكما شرع الله الزواج، أعطى منحة في شريعته هي “الطلاق”، إلا أنه أبغض الحلال، وهذا لا يعني أن نركز على البغض ونترك أنه حلال، فهو أبغض الحلال لأنه آخر وسيلة يلجأ إليها الزوجين إذا استحالة العِشرة وبذلا ما في وسعهما للحفاظ على البيت خاصة في وجود أولاد، وهذا هو التدرج في علاج المشكلات الزوجية، بعيدا تماما عما نراه في الواقع من استخدام لفظة الطلاق للتهديد والوعيد والسب وغيرها من أمور لا تمت للدين لا من قريب أو من بعيد!
مما لا يدركه عامة الناس هو أن الزواج والطلاق كلاهما اختيار، الانفصال لا يكون إلا نهاية لخلاف إذا استحالت العشرة، ولم يشرعه الله ليكون نهاية الحياة نفسها، وقد تابعنا قضية الأم الفاضلة الطبيبة التي فقدت حياتها على إثر حرمان طليقها لها من رؤية أولادها! والحقيقة أن قضية هذه الأم ما هي إلا نموذج مكرر من آباء اتخذوا من الأبناء بعد الانفصال أداة أو وسيلة تهديد للضغط على الطرف الآخر إما لمجرد الكيد والمشاحنة، أو التهرب من النفقة والالتزمات أو تعطيل حياة الطرف الآخر ومصالحه، كأن المشكلات لم تنته بالطلاق والانفصال، بل تتحول الحياة بأكملها إلى ساحة حرب يقودها طرفي العلاقة بشراسة بمعاونة الأهل وربما الأصدقاء! هذا يأخذنا إلى سؤال هام: لماذا يغيب عنا قوله تعالى: “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ”؟ فلماذا نترك أنفسنا للنزاعات لتخرج أسوأ ما فينا؟ لماذا التناحر حتى ينتهي الأمر بخسارة أحد الطرفين لحياته أو تشريد أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم جاءوا إلى هذه الحياة لأب وأم لا يقدرون قيمة الحياة؟
توقفت كثيرا عند انتفاض رواد مواقع التواصل الاجتماعي عقب أزمة الرسوم المسيئة الأخيرة بالجريدة الفرنسية وكيف تحول شعار المواقع إلى عبارة (إلا رسول الله)، وهو أمر بدهي مع مقام النبي (صلى الله عليه وسلم)، لكنني طرحت سؤالا آخر لم أجد له إجابة: إذا كان الحب اتباع، والمحب لمن يحب مطيع، فما بال هؤلاء يسيؤون معاملة أزواجهم، ويحرمون آباء من أطفالهم ويتحايلون على القانون لإفساد حياة الآخر؟
الحقيقة التي يصعب علينا مواجهتها في مجتمعنا هي أن النساء يظلمن بعضهن بعضا، فأم الزوج أو الزوجة تكون المعتدي وفي أحيان أخرى تكون الضحية لتعنت الابن أو الابنة، وهذا من قبيل العادات والتقاليد التي درج عليها الأبناء، فبمجرد أن يحدث الانفصال تبدأ حلقة مفرغة من الحيل التي يسعى فيها كل الطرف إلى التخلي عن أخلاقه، بينما جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) برسالة أساسها الأخلاق: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فمن يدافع وينافح عنه ضد الإساءة أصبح أول من شوه رسالته بل وصورته أمام المجتمع والعالم، فما لكم كيف تحكمون؟!
العيب يا كِرام ليس في الطلاق ذاته، إنما العيب يكمن في خلل الفهم الذي سيطر عليه مفاهيم اجتماعية خاطئة خرجت بنا في أغلب أحوالنا من دائرة العقل والمنطق إلى دائرة القتل بدم بارد! هنا أذكر أنني مرة مازحت صديقة لي بعد انفصالها عن زوجها فقلت لها: السبب الرئيس للطلاق هو الزواج! فبينما كان الهدف من العبارة هو المزاح، إلا أنني قلت الحق ولخصت كل تلك الصراعات في هذه الكلمة، لأن المفاهيم مشوهة من بداية رحلة الاختيار وفكرة تأسيس أسرة مع “شريك” للحياة ، فالصورة بالفعل ضبابية وغير واضحة لدى أكثر المقبلين على الزواج، فبعد أن كان الزواج مصدرا للسكن والحب والمودة، تحول بهذا الجهل إلى ساحة نزاع يقف أبطالها وفي طليعتهم النساء على مسرح الحياة التي تأسست برغبة منهم، لكنها كانت على أساس واه ضعيف، بعيد تماما عن التفاهم والاحترام والتقدير، فتصبح النتيجة بعد الانفصال إهانة وظلم مضاعف، يخرج عن إطار الإنسانية، فتلك الأم التي فقدت حياتها وفارقت هذه الدنيا حزنا وكمدا على فقد أولادها، السبب الرئيس لحزنها كان امرأة مثلها (أم طليقها)، وعلى العكس قد نجد أم تحرم طليقها من أولاده كوسيلة للضغط والابتزاز ويساندها كذلك أم أو أخت وهكذا، فالمصائب كلها من صنع الإنسان، لا التشريع!
يكفي في هذا السياق أن نختم بهذا الموقف، يُروى أن أحد الأزواج ذهب ليطلق زوجته فسألوه عن سبب طلاقها فقال: لا أتحدث عن زوجتي بما يسوؤها ولا أفشى سراً لها، وبعد أن طلقها قالوا له: الآن طلقتها فأخبرنا عن سبب طلاقك لها، فقال: لا يحل لي أن أتكلم عن امرأة صارت أجنبية عني.
هذه رسالة واضحة جلية لكل من انتفض للدفاع عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال (إلا رسول الله).
نُشر بجريدة الجمهورية، بتاريخ 12 نوفمبر 2020




