صورة المرأة في ميزان التشريع وثقافة التميز

بقلم/ هبة صلاح

__________

سألني أحد الأصدقاء من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية عن أسباب اتخاذ بعض النساء موقفًا عدائيًا تجاه الرجال في المجتمع المصري والعربي في حين أن هناك تغير جذري نشهده على أرض الواقع فيما يتعلق بقضايا المرأة وحقوق النساء بشكل عام؛ يقصد أن هناك طفرة في فكرة المجتمع عن مشاركة وتواجد المرأة في المجال العام اختلفت عن السنوات السابقة وخاصة بعد ثورة 25 يناير!

أردت أن تكون إجابتي غير تقليدية وبعيدا عن الإجابات النموذجية التي نرددها في المحافل الدولية والمؤتمرات، فقلت له إنني قرأت ذات مرة من وقت قريب قبل شهور منشور على صفحة أحد الشيوخ وكان ينقل سؤالا وجهه أحد العامة بخصوص “القرض الشخصي من البنك”. توقفت عند سرد القصة التي أصر هذا الشيخ على ذكرها بهذه الطريقة في المنشور والتي أثبتت أن بعض العقليات مهما تطور بنا الزمن لم ولن يغير نظرته للمرأة كونها “سلعة” لها مدة صلاحية!

بدأ المنشور بسرد تفاصيل خاصة تتعلق بأسباب أخذ قرض شخصي حيث قال السائل بحسب ما نقله الشيخ: أختي كبرت في السن وتأخرت في الزواج حتى وصلت لسن 42 ولم تتزوج، ثم تقدم لخطبتها شخص مناسب ووافقنا، فهل يجوز أن نأخذ قرضا شخصيا من البنك لشراء ما تحتاج من أجل تجهيز بيتها للزواج، لأننا في منطقة ريفية والتكاليف تكون باهظة وعلينا أن نتوافق مع العادات السائدة هنا حتى لا تكون أقل من نظيراتها؟!

سألت نفسي ما فائدة أن يذكر الشيخ هذه التفاصيل في سرد السؤال، لأنه إن حذفها سيستقيم المعنى لأنها تفصيلة لم ولن تؤثر في الحكم الشرعي لفكرة القرض الشخصي؛ وقلت في نفسي لو كان السائل يسأل عن رجل، كان سيقول نفس الكلام؟ تأخر أخي في الزواج وبلغ سن كذا؟! بالطبع لا!

من منشور واحد استطعت أن أكتب ما يزيد عن أربعة نماذج نمطية تتعلق بصورة المرأة في ميزان الثقافة السائدة في المجتمع والتي إن وزنت بميزان التشريع الإلهي لم ولن يكون لها وجود على الإطلاق!

إن جل ما نجده في مجتمعنا العربي من صور تميز ضد النساء للأسف تعكس وبقوة زمن “الجاهلية” الذي نعيد انتاجه دون أن نشعر، فمن يطلع على صورة النساء في الفترة قبل الإسلام أو ما عرفت تاريخيا باسم الجاهلية يجد أن المرأة كانت مصدرا للعار، بل وكانت سِلعة تباع وتشترى من أجل المتعة الحسية فقط، بغض النظر عن كونها جنس بشري خلقه الله مساو للرجل في الحقوق والواجبات.

فمع كل هذا التقدم التكنولوجي والعلمي وما وصلت إليه البشرية من تطور في التواصل، تظل النساء في بعض المجتمعات حبيسة للصور النمطية التي على سبيل المثال المذكور آنفا تتساوى مع علبة تونة لها تاريخ صلاحية فيما يتعلق بسن الزواج، الأمر الذي لم يرد به تشريع سماوي يحدد سواء في المسيحية أو الإسلام، لكننا فرضناه عليها حتى تظل تدور في فلك الإحساس بالدونية أو العجز، على عكس ما يفعله المجتمع مع الرجل إذا ظل دون زواج!

هذا يأخذنا إلى نقطة هامة جدا وهي ميزان التشريع في مقابل ثقافة التميز، إننا مازلنا نجد على الساحة الخطاب الديني الذي ينطلق فيه أصحابه من أهواء شخصية هدفها الوحيد إبعاد النساء عن الحياة العامة وترسيخ الصورة النمطية عنهن أنهن فقط وسيلة للمتعة الحسية وهؤلاء معروفون تماما وبفضل وسائل التواصل قد زاد وعي العامة حول هذا الخطاب “المتطرف”، لكن من المؤسف أن نقول إن هذا الخطاب قد ترك أثره في أجيال فاتت سنظل نعاني من تبعاتها لفترة قادمة حتى تتضح الأمور تماما.

فهذا الذي يحكي عن تأخر أخته في الزواج لم يقرأ أو يعلم أن أشرف النساء وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت في سن الأربعين وقت زواجها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج البكر والثيب والأرملة والمطلقة حتى يوجه رسالة أن المجتمع كله لا يعيبه شيء سوى الأخلاق: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، والسيدة مريم الطاهرة البتول رزقها الله شرف الأمومة لنبي من أنبيائه،سيدنا عيسى عليه السلام، من دون أب، وكانت تظن أن هذا ابتلاء تمنت لأجله الموت قالت “يا ليتني مت قبل هذا”، ولم تعلم أنها سبب في نور أخرجه الله للبشرية بكلمة منه.

بل ومن المواقف التي تستدعي كل صور التعجب والاندهاش، موقف بعض التفسيرات اللي اعتمدها بعض الدعاة ومدعي العلم الشرعي تجاه تواجد ومشاركة النساء في المجال العام وهو حريص على أداء العمرة كل شهر والحج كل عام، ولم يفلح في أي مرة وهو يؤدي السعي بين الصفا والمروة أن يدرك أن هذا ركن من أركان العمرة والحج إكراما وتشريفا للسيدة هاجر المصرية زوج سيدنا إبراهيم (عليه السلام) وأم سيدنا اسماعيل (عليه السلام) ،هذا لم يدرك أن هذه السيدة كانت سببا في خير اختص الله به أمة كاملة بسبب صبرها وحكمتها واجتهادها ويقينها.

هناك كثير من الأمور التي نسعى في تغيرها من خلال إعادة قراءة النصوص الدينية قراءة منصفة بعيدا عن الأهواء الشخصية والتلبيس حتى نصل إلى الحقيقة والحق الذي خلق الله من أجله الناس من (ذكر وأنثي) لتعتدل كفتا الميزان، وهذا ما تسعى إليه بعض الحركات في مجال النسوية الإسلامية وعلى رأسها مؤسسة المرأة والذاكرة التي لها دور بارز في تصحيح المفاهيم وغيرها من المبادرات التي أذكر منها مبادرة أصواتهن للسلام التي انطلقت في شهر سبتمر العام الماضي وهدفها الوحيد هو تصحيح المفاهيم وكسر القوالب النمطية التي تمارس ضد النساء والرجال خطأ باسم الأديان في مصر والمجتمعات العربية وكلها خطوات تقربنا من الفهم الصحيح وأن نكون على طريق علم ينفع.

نٌشر بجريدة الشروق نت، يناير 2021

المرأة ما بين ظلمات التشدد ومتاهات التحرر

المرأة ما بين ظلمات التشدد ومتاهات التحرر

حيرة شديدة عندما تقرر أن تتحدث عن المرأة .. فقد ظلمت كثيرًا حين أصبحت أسيرة لخطاب ديني متشدد، غابت ودفنت في ظلماته -بنصوص وآراء فقهية ضعيفة أو غير مناسبة لعصرنا الحالي ومتطلبات ومتغيراته-، في مقابل متاهات خطاب التحرر التي تخبطت فيه المرأة وأصبحت مستباحة بدعوى الحرية والتمدن، فما بين هؤلاء وهؤلاء ظُلمت المرأة.

التحرش.. ظاهرة تبحث عن حل

التحرش.. ظاهرة تبحث عن حل

بقلم/ د. رامي عطا صديق جريدة (وطني)، الأحد 21 فبراير 2021م. من بين أكثر الظواهر الاجتماعية السلبية التي عرفها الشارع المصري خلال السنوات القليلة الماضية تأتي ظاهرة التحرش الجنسي، التي باتت تطل علينا من أكثر من مكان، وفي أكثر من مناسبة، في الشارع ومواقع العمل!! في...

السيدة هاجر .. إيمان أذاب الحجر

السيدة هاجر .. إيمان أذاب الحجر

هبة صلاح   مع بداية عشر ذي الحِجة ودخول موسم الحَج تأتي ذكرى السيدة العظيمة هاجر المصرية، زوج نبي الله إبراهيم (عليه السلام) وأم النبي إسماعيل والتي صنعت تاريخًا مجيدًا سيظل باقيًا ما دامت السموات والأرض. من أكرمه الله وأذن له بزيارة الحرمين الشريفين، النبوي والمكي،...