بقلم/ بشار رحمة
الأنوثة رحلة، رحلة اكتشاف الفتاة للأنثى الموجودة داخلها.
يمكن أن يفهم ذلك من قرأ روايات باولو كويلو، حيث دائماً ما يركز في رواياته على أفكار محددة، وإحدى هذه الأفكار هي الآلهة الأنثى، فإن روايته تصل إلى ذروتها عندما تكتشف الفتاة بطلة الرواية أنوثتها وتحققها، وهنا يقفل الرواية، حيث لا يوجد بُعد أبعد من ذلك، فقد وصلت للكمال، وصلت للألوهة، فهو يعيد تبني ما جاءت به الديانات الأقدم على وجه الأرض، حيث كانت تؤلّه الأنثى. فقد رأت فيها مصدراً للخير والحياة.
تبدأ الفتاة رحلتها من عيون والدها، حيث تستمد حبّها للأنثى التي فيها من عيونه. فعلى قدر حبّه لها ستتعلم أن تحبّ أنوثتها، وعلى قدر ما يراها كأميرة سترى نفسها كذلك، وعلى قدر ما يعاملها بمحبّة ستكتشف أنها تستحق تلك المحبّة، وكأنها تتعلم عن أنوثتها من عيونه، عيون الرّجل الأول في حياتها. من هذه النقطة تبدأ ببناء العلاقة مع الأنثى التي في داخلها و كذلك مع الجنس الآخر.
تنطلق هذه الرحلة لتمرّ بكثير من المراحل خلال نضوجها، وخلال هذه المراحل ستتعرض للكثير من الألم والرفض والتنمّر سيجعلها تكره أنوثتها، وبالمقابل سيكون هناك حبٌّ سيجعلها تحبّ أنوثتها. وكل مرة تحبّ فيها هذه الفتاة، هي فرصة لتقف أمام هذه الأنوثة وتكتشفها أكثر، فكلنا يستطيع أن يرى ويميّز عندما تكون الفتاة في حالة حبّ، كيف تصبح متوهّجة، وعيونها برّاقة، وكيف تصبح أكثر رونقاً وجمالاً.
وبمناسبة الحديث عن الجمال؛ الأنوثة أعمق بكثير من الجمال، فمن الممكن أن تلتقي فتاة جميلة جداً خارجياً، لكن ستكتشف عندما تقترب أكثر أنها تفتقد لحسّها الأنثوي. كما يمكن أن يحصل العكس، كأن تصادف فتاة عادية الشكل والجمال الخارجي، قوية وصلبة، لكنك ستشعر بعبق الأنوثة يفوح منها.
الأنوثة هي انعكاس لشعورها بنفسها، انعكاس لنبع اكتشفته وتفجّر من أرضها، وأصبحت بدل أن تزيّن أظافرها لكي تبدو جميلة، العكس، أصبحت زينة أظافرها تعكس إحساسها بجمالهم. وبدل أن ترتدي ثيابها لتبدو جميلة، أصبح تناسق وأناقة ثيابها يعكس جمال إحساسها بأنوثتها.
الأنوثة إحساس، ونبع وعَبَق، لا يظهر حتّى تكتشفه بنفسها، وربما لن تكتشفه بكامله إلا عندما تحبّ، وتكتشف قدرتها اللامحدودة على العطاء، وليس المقصود هنا العطاء على حساب نفسها كما يشاع في حالالت كثيرة، لكن من نبع فيها، نبع أنوثة يرافقها ويتوّج بأمومة.
رحلة تبدأ من عيون أبيها، ثم حبيبها وشريكها، ثم عيونها هي ليتحول لعطاء، ويتوّج بأمّ، من أنوثتها يخرج أعظم الرجال. فوراء كل رجل عظيم أنثى.
والأنوثة أكبر من أي عائق أمامها، فليس كل فتاة قد تربت في بيئة ومجتمع تستطيع فيهما أن تبني علاقة سلام مع أنوثتها دون قهر وتنمّر ورفض، فهي بحاجة إلى قانون يحميها وإلى رجل صادق تحبه ويشعرها بالأمان كي تستطيع أن تكشف كامل أنوثتها، ويحبها بدوره ليريها جمالها وتعيش هذه الرحلة، وهناك من انجرحت ورُفضت كثيراً، وفقدت ثقتها بالأنثى التي بداخلها، لكن تبقى رحلة اكتشافها لها أكبر بكثير من أي جرح، لأنها حين تصل وتكتشف هذا النبع، سيفيض ويحتوي ويغمر ويروي كل جرح وكل مكان جفاف ورفض عاشته.
بشار رحمة
باحث في العلاقات المسيحية-الإسلامية




