الخطاب الديني بين التجديد والتبديد

في إطار سعي المبادرة إلى توضيح حقيقة تعامل الأديان مع قضايا النساء والرجال في المجتمع، تبين أنه مازال هناك حالة من الضبابية في فهم مفهوم تجديد الخطاب الديني حتى بين المتخصصين.

السطور التالية من مقال: الخطاب الديني بين التجديد والتبديد

بقلم/ هبة صلاح

الحاجة إلى “تجديد الخطاب الديني” ليست أمرًا حديثا وإنما امتد عبر قرون التاريخ الإسلامي ونادى به العلماء المتقدمون من أمثال الإمام أحمد بن حنبل والإمام الشافعي وأبوحامد الغزالي، ومن العلماء المتأخرين نجد أمثلة كثيرة منهم: الإمام محمد عبده من تاريخ التراث الإسلامي الحديث والشيخ حسن العطّار وابن رشد وغيرهم. فمع اختلاف آراء وتوجهات كل من هؤلاء، إلا أن الهدف كان واحدا، إذًا فقضية “التجديد” قديمة حديثة لا تقف عند زمن بعينه.

فالخطاب الديني بمفهومه البسيط هو ذلك العلم الذي ينقله عالِم الدين المتخصص الفقيه إلى العامة حتى تستقيم حياتهم في إطار الشرع الشريف ومن ثمّ الحفاظ على الخطاب بما يتوافق مع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للواقع المعاش، ويشمل ذلك استخدام المصطلحات والتراكيب اللغوية، حيث إن عنصر اللغة له أهمية بالغة في توصيل الخطاب. فلا يصح أن يخرج الخطيب على المنبر في خطبة الجمعة ليتحدث مثلا عن شعيرة الحج وفضائل هذا الركن من أركان الإسلام فيوجه خطابه للمصلين قائلا: “من امتلك المؤنة والدابة فيجب في حقه أداء فريضة الحج”.

عندما نقيس تلك العبارة شرعًا نجدها صحيحة حيث إن الحج واجب في حق المسلم القادر ماديًا وبدنيًا، أما عن استخدام لفظتي “المؤنة والدابة” فهذا مما لا تألَفه الآذان في عصرنا الحالي. فالدابة كانت الحيوان الذي يمتطيه الحاج في قرون سابقة للذهاب للحج ويأخذ معه طعامه “المؤنة” لطول الطريق الذي ربما يستغرق أشهر طويلة، وهذا لم يعد حاصلًا في وقتنا الحاضر، حيث أصبح السفر عبر وسائله المأمونة وطرقه المأهولة ومَنافذه العامرة؛ مِن موانئ ومطاراتٍ ووسائل مواصلاتٍ عامَّة لا يمكن أن يطلق عليه لفظتي “المؤنة والدابة”، وهذا يأخذنا إلى مستوى أعمق وهو ما يتعلق بالأحكام الشرعية المرعية وما هو معلوم بالدين بالضرورة.

فالتجديد المنشود لا يعني هدم ما سبق من اجتهاد وإنما إعادة النظر في الواقع المعاش وتطبيق الشرع عليه بما يفي باحتياجات العامة حتى تستقيم أمور حياتهم، فالشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان ويستثني من هذا الاجتهاد الجديد ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أي الأحكام التعبدية مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها. فباب الاجتهاد مفتوح للعلماء المتخصصين المؤهلين بما يضمن تحقيق ما تفتضيه المصلحة وملاءمة الواقع المعيش.

فالحديث عن قضية التجديد في مصر منوط به المؤسسة الدينية الرسمية وهي الأزهر الشريف بكل مؤسساته ومنها مؤسسة دار الإفتاء المصرية انطلاقًا من كون الفتوى جزءًا لا يتجزأ من حياة المسلمين اليومية، كما أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، فما ينفع أن نفتي به شخص في جنوب مصر لا يمكن أن يناسب من هو في شمالها لاختلاف الظروف والثقافة والأحوال. وهذا ما تنتهجه مؤسسة الإفتاء في مصر، حيث تراعي تلك العوامل عند التعامل مع المستفتي والنظر في الواقع المعاش للقيام بواجب الوقت. نضرب لذلك مثالا حول ما يتعلق بقضايا المرأة في الإسلام وعلى رأسها في وقتنا الحالي سفر المرأة دون محرم.

لقد تغيرت الأسباب التي من أجلها نهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المرأة عن السفر دون محرم وهي عدم توفر الأمن في ذلك الوقت، فالأحاديث التي تَنهى المرأةَ عن السفر مِن غير مَحرَمٍ محمولةٌ على حالة انعدام الأمن، فإذا تَوَفر الأمن لَم يَشملها النهيُ عن السفر أصلًا. ولذلك فلا مانع شرعًا مِن سفر المرأة إلى الخارج لأيِّ غرضٍ مباحٍ إذا تَوَفَّر الأمنُ في الإقامة بِبَلَد السفر، ولا يُشترط اصطحاب المحرم في حِلِّها ولا ترحالها وهذا ما عليه الفتوى الآن في دار الإفتاء المصرية.

إذًا فالمؤسسة الدينية يقع على عاتقها مسؤولية كبيرة وهي ربط المحتوى بالواقع المعاش، فلو كان النبي (صلى الله عليه وسلم) بيننا الآن كان سيستخدم كل أدوات التكنولوجيا الحديثة وتطويعها في خدمة ما يخاطب به المسلمين في العالم كافة وكان سيفتي الناس بما يناسب شؤون دنياهم دون إفراط ولا تفريط.

فما تنشده المؤسسة الدينية هو “تجديد” الخطاب وليس “تبديد” ما جاء به النص الشرعي واختراع نصوص جديدة من الخيال ما أنزل الله بها من سلطان.

المقال نُشر بجريدة #مصراوي بتاريخ 13 من أغسطس 2018

المرأة ما بين ظلمات التشدد ومتاهات التحرر

المرأة ما بين ظلمات التشدد ومتاهات التحرر

حيرة شديدة عندما تقرر أن تتحدث عن المرأة .. فقد ظلمت كثيرًا حين أصبحت أسيرة لخطاب ديني متشدد، غابت ودفنت في ظلماته -بنصوص وآراء فقهية ضعيفة أو غير مناسبة لعصرنا الحالي ومتطلبات ومتغيراته-، في مقابل متاهات خطاب التحرر التي تخبطت فيه المرأة وأصبحت مستباحة بدعوى الحرية والتمدن، فما بين هؤلاء وهؤلاء ظُلمت المرأة.

التحرش.. ظاهرة تبحث عن حل

التحرش.. ظاهرة تبحث عن حل

بقلم/ د. رامي عطا صديق جريدة (وطني)، الأحد 21 فبراير 2021م. من بين أكثر الظواهر الاجتماعية السلبية التي عرفها الشارع المصري خلال السنوات القليلة الماضية تأتي ظاهرة التحرش الجنسي، التي باتت تطل علينا من أكثر من مكان، وفي أكثر من مناسبة، في الشارع ومواقع العمل!! في...

السيدة هاجر .. إيمان أذاب الحجر

السيدة هاجر .. إيمان أذاب الحجر

هبة صلاح   مع بداية عشر ذي الحِجة ودخول موسم الحَج تأتي ذكرى السيدة العظيمة هاجر المصرية، زوج نبي الله إبراهيم (عليه السلام) وأم النبي إسماعيل والتي صنعت تاريخًا مجيدًا سيظل باقيًا ما دامت السموات والأرض. من أكرمه الله وأذن له بزيارة الحرمين الشريفين، النبوي والمكي،...