“أنا الراجل”!!

د. رامي عطا صديق

للتراث الشعبي، ويشمل الأمثال والأغاني الفلكلورية والأقوال المأثورة والقصص والحكايات الشعبية، تأثير قوي في نفوس البعض، فهو عند بعض المواطنين “أسلوب حياة” و”نمط تفكير” و”مرشد أمين” يسترشدون به، يرجعون إليه ويحتكمون بحكمه حين يختلفون، يستشهدون بتلك الحكم والأمثال ويتوارثونها، ما ساعد على انتقال التراث الشعبي من جيل إلى جيل، حتى بات التراث الشعبي يحكم الكثير من الممارسات اليومية عند هذا البعض منّا.

ومن الملاحظ أن الأمثال الشعبية قديمة ومتجذرة في الشخصية المصرية، حتى أنه كثيرًا ما يردد بعضنا عبارة “على رأي المثل” و”صدق اللي قال” ثم يتبعها بقول المثل الشعبي الذي يراه مناسبًا للموقف الذي يمر به، عندما يتحدث في أي من الموضوعات الحياتية، أو العلاقات الاجتماعية.. في علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وفي علاقته بأخيه الإنسان وأسرته وعائلته، وعلاقته بالأصدقاء والجيران وزملاء العمل، في الدراسة والعمل والسفر، وكل ما يتعلق بأطوار الأسرة من خطوبة وزواج وإنجاب وتربية، عند الفرح والحزن، في الصحة والمرض.. إلخ.

ومن يتمعن النظر في الأمثال والأغاني الشعبية، باعتبارها أبرز تجليات التراث الشعبي، يكتشف كيف أن بعضها سلبي، يعكس ويقدم صورة سلبية للمرأة، ذلك أن قراءة سريعة في التراث الشعبي السلبي الذي يتعلق بالمرأة نجد أنه يعمل على:

شيطنة المرأة، فهي رمز الغواية، قادرة وقوية وعفية: “صوت حية ولا صوت بنية”، “كيد النسا غلب كيد الرجال”، “يا مآمن للحريم يا مآمن للمعزة في البرسيم”، “حبسوا المرأة مع إبليس في كيس، طلع إبليس منها يستغيث”، “اعدل العوجة ولو في يوم فرحها”، “البنت يا تسترها يا تقبرها”، “الفاجرة داويها والحرة عاديها”، “المرة خيرها لجوزها وشرها لأهلها”، “عار النسا باقي”، “اكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرين”.

# تأكيد تبعية المرأة للرجل: “الفرس تتبع الفارس”، “ضل راجل ولا ضل حيط”، “الست مالهاش غير بيتها وجوزها”، “اللي جوزها يحبها الشمس تطلع لها”، “اللي جوزها يقولها يا عورة يلعبوا بيها الكورة”، “خدي ليك راجل يبقى لك بالنهار أجير وبالليل غفير”.

# صاحبة مشورة غير مناسبة: “شاوروهم وخالفوا شورتهم”، “شورة المره ترجع ميت سنة ورا”، “طاعة النسوان تورث الهم”، “نصيحة المره ما بتنفع غير المره”.

# أفضلية الولد على البنت والرجل على المرأة: “المره بنص عقل”، “أبو البنات في الهم حتى الممات”، “يا مخلفة البنات يا شايلة الهم حتى الممات”، “الولد سند”، “إن مات أخوك انكسر ضهرك، وإن ماتت أختك انستر عرضك، وإن مات ابنك انحرق كبدك”،  وهناك واحدة من الأغاني الشعبية الشهيرة التي تميز بين الولد “الذكر” والبنت “الأنثى” لصالح الذكر تقول كلماتها: “لما قالوا ده غلام، اشتد ظهري وقام، وجابولي البيض مقشر، وعليه السمن عام، ولما قالوا دي بنية، هدوا فرن الدار عليَّ، وجابولي البيض بقشره، وبدال السمن مية”.

# تنميط وقولبة دور المرأة من خلال إشاعة صور نمطية عنها وترسيخ أدوارها التقليدية: “اللي يسعدها زمانها تجيب بناتها قبل صبيانها”، “لما قالوا لي بنية، قلت الحبيبة جاية، تعجن وتخبز ليّ، وتملا البيت مية”.

وكثيرًا ما تتعرض المرأة للسباب والشتائم، فقط لكونها امرأة، فحين يرغب شخص في إهانة شخص آخر فإنه يسبه بأمه، حيث يقول له مثلًا إنه “تربية امرأة”!! هذه الأمثال، وغيرها، ذكرتها هنا لا لترسيخها وإنما لتوضيح مدى بشاعتها وقوة عنفها ضد المرأة.

في المقابل فإن هناك من يواجه تلك الأفكار السلبية، بأعمال توعوية مثل الأعمال الفنية، والرد على الأغنية المسيئة بأغنية منصفة، للتأكيد على المساواة بين الولد والبنت وقدرتها على خدمة أسرتها والمجتمع ككل..

أذكر مثلًا أغنية “البنات” تأليف صلاح جاهين وألحان كمال الطويل وغناء سعاد حسني، تقول كلماتها: “البنات، البنات ألطف الكائنات. غنوا يا تلميذات تافاتيفي تاتاتا. قولوا يا بختنا (يا بختنا، يا بختنا). قد إيه كلنا (كلنا كلنا). فرحانين إننا إتولدنا بنات. البنات حنينين كلهن طيبين. همهم خدمة بلدهم زيهم زي البنين. البنت زي الولد، ماهيش كمالة العدد. في الاحتمال والجلد. مذكورة في المعجزات. البنات ناصحين تمام. يسألوا الحاجة بكام. ينفعوا وزراء مالية. واقتصاد مافيش كلام. البنت عين أمها وأبوها بيحبها. والكل معجب”.

كما أذكر الأغنية الشهيرة “يا بنات”، كلمات نبيل خلف ألحان وليد سعد غناء نانسي عجرم، تقول كلماتها: “يا بنات يا بنات يا بنات. اللي مخلفش بنات مشبعش من الحنية وما دقش الحلويات. حلوة الأيام في عنيا علشان خلفت بنية. ولا شوفت الأرض اتهدت ولا مالت الحيطة عليا. سقفوا ارقصو يا ولاد الفرح ملوهش معاد. ضحكتها لما اتولدت بتكتر في الأعياد. عصافير الجنة يا توتة تعصرلك شهد التوتة. ترقصلك فوق شباكك وتزغرطلك زغروطة. من الدرج اديها فتفوتة شوكولاتة بالبسكوتة. ولغيها يا حلوة لغيها هتغنيلك ع النوتة. مش خايفة ليه من الزفة من صغرك فاهمة وعارفة. عايزة الطرحة يا عروسة من وانتي يا دوب في اللفة”.

وفي كلمة، فإن التراث الشعبي يحتاج منا عملية مراجعة وتطهير، غربلة وتنقية، بحيث نحافظ على الإيجابي منه، ونتجاهل السلبي وننساه، أو نواجهه بتعاليم مُنيرة، عبر برامج توعية أسرية، وخطاب ديني مُستنير، ومناهج دراسية تحترم المرأة وتعطيها حق قدرها، وأعمال فنية ومواد إعلامية وأنشطة ثقافية تؤكد مكانة المرأة وقيمتها في المجتمع، وكيف أنها إنسان مثل الرجل، لا تقل عنه ولا ترتفع فوقه.

 

جريدة (وطني)، الأحد 23 أغسطس 2020م

المرأة ما بين ظلمات التشدد ومتاهات التحرر

المرأة ما بين ظلمات التشدد ومتاهات التحرر

حيرة شديدة عندما تقرر أن تتحدث عن المرأة .. فقد ظلمت كثيرًا حين أصبحت أسيرة لخطاب ديني متشدد، غابت ودفنت في ظلماته -بنصوص وآراء فقهية ضعيفة أو غير مناسبة لعصرنا الحالي ومتطلبات ومتغيراته-، في مقابل متاهات خطاب التحرر التي تخبطت فيه المرأة وأصبحت مستباحة بدعوى الحرية والتمدن، فما بين هؤلاء وهؤلاء ظُلمت المرأة.

التحرش.. ظاهرة تبحث عن حل

التحرش.. ظاهرة تبحث عن حل

بقلم/ د. رامي عطا صديق جريدة (وطني)، الأحد 21 فبراير 2021م. من بين أكثر الظواهر الاجتماعية السلبية التي عرفها الشارع المصري خلال السنوات القليلة الماضية تأتي ظاهرة التحرش الجنسي، التي باتت تطل علينا من أكثر من مكان، وفي أكثر من مناسبة، في الشارع ومواقع العمل!! في...

السيدة هاجر .. إيمان أذاب الحجر

السيدة هاجر .. إيمان أذاب الحجر

هبة صلاح   مع بداية عشر ذي الحِجة ودخول موسم الحَج تأتي ذكرى السيدة العظيمة هاجر المصرية، زوج نبي الله إبراهيم (عليه السلام) وأم النبي إسماعيل والتي صنعت تاريخًا مجيدًا سيظل باقيًا ما دامت السموات والأرض. من أكرمه الله وأذن له بزيارة الحرمين الشريفين، النبوي والمكي،...